بدأ الشيخ سيد بكر مسيرته العلمية مبكرًا كعادة الأطفال في عهده؛ حيث التحق بالمدرسة القرآنية في سن السابعة وتلقى القرآن الكريم على يد الشيخ حسن موسى مهوما من بلدة بويني المجاورة، وهو الأخ الأكبر لمعالي السيد مسلم بن موسى، وزير الخارجية الأسبق، الأزهريّ المعروف
في عام 1958م، وقعت عليه حادثة أليمة، حيث سقط من شجرة نرجيل فكسرت يده اليمنى من الذراع، وتمّ تغليفها بجبيرة محليّة الصنع بأسلوب العلاج الشعبيّ، وبعد أربعين يوما، نزعت الجبيرة، وقد اندمل الجرح، وسقط الجزء المكسور من الكوع من تلقاء نفسه حالا، ثم رجع إلى معلّمه الشيخ حسن موسى ليتمّ قراءة القرآن، وقد أتمه عام 1961م
في عام 1963م التحق بالمدرسة الفرنسية، وامتحن الشهادة الابتدائية عام 1968م، ولكنّ الحظّ لم يكن بجانبه، فأعرض عن التعليم الفرنسيّ الغربيّ جملة وتفصيلا، وتفرّغ للتعليم العربيّ الإسلاميّ
التعليم والنشأة
تعلّم كتاب إرشاد المسلمين، والرسالة من والده، ثم وجهه إلى شيخه ليتلقى العلم منه وهو الشيخ شريف إبراهيم بن سيد حسن جمل الليل، ولكن سرعان ما ألمّ به المرض والكبر وأقعده العجز، فأشار إليه بالتّوجه إلى المدرسة السلفية لصاحبها الشيخ سيد محمد عبد الرحمن (1912-1990م)، الرجل الثاني الذي تلقّب بالمفتي الأكبر، وكان أحقّ بها وأهلها، رجل دولة من الطراز الأوّل، كما أعطاه الشيخ إبراهيم كتابا لسماحة القاضي أحمد باشيخ (1891-1986م)، عالم الرّياضيّات والفلك البارز، كان من أشهر أعماله تحديد اتجاه القبلة عند بناء المساجد والجوامع، وكتابة جداول أوقات الصلوات وتوزيعها في أنحاء البلاد، فمكث عند الشيخين يأخذ منهما: الفقه والتوحيد والتفسير والحديث، وعلوم اللغة كالنحو والصرف، كما أخذ منهما علم التصوف والسلوك، وتفاسير المدائح النبوية، مثل: المولد البرزنجي، وهمزية النبهاني، وهمزية البوصيري والبردة، وتخميس الوترية على خير البرية
وأخذ عن الشيخ أحمد محمد الجيلاني، قاضي القضاة، كتاب عمدة السالك والرياض البديعة، وكتاب الزبد في الفقه. ومن الشيخ مهاجر إسلام -وهو من مدينة فومبوني جنوبي الجزيرة- أخذ كتاب فتح المعين، من بيته في ضاحية (باشا) بموروني
وتلقّى علوم الّلغة في مدرسة الفلاح بمورني من لدن السيد الهادي أحمد الهدّار، وهو حضرميّ، عمل مبعوثا لرابطة العالم الإسلاميّ هنا، وكان له ولسماحة المفتي الأكبر سيد محمد عبد الرحمن الفضل بعد الله عز وجلّ في فتح أبواب الجامعات العربية والإسلامية لأبناء جزر القمر قبل الاستقلال
وبدأ دراسة النحو العربي عند الشيخ شاييهوى مماد (وهو شيخ حيّ جومومجي-موروني وعالمها الأبرز)، ولكنّه ظلّ يعتبر العلاّمة المفتي الأكبر سيد عبد الرحمن هو شيخه الأكبر، وكان يتردّد إليه وإلى غيره من شيوخه كلمّا سنحت له سانحة ليزداد منهم علما وفضلا
مسيرته التعليمية والدعوية
مكث في طلب العلم زهاء تسع سنوات (1969-1977م)، ويظهر أنه كان يجمع بين طلب العلم وتحصيله وبين التعليم والتبليغ لما قد علم، كشأن حملة الرسالات، فبعد سنتين من قدومه إلى مورني أي في حدود سنة 1972-1973م، جمع بعض رفاقه في مسكنه يذاكرهم كتبا في الفقه والتوحيد والتصوف وعلم السلوك، وأصبح هو الإمام الراتب في مسجد الحاج اليماني، وأنشأ مدرسة قرآنية للأطفال في ضاحية مغوجو، ومن أبرز من تلقى القرآن على يديه فيها: معالي صيف محمد الأمين، وزير الخارجية الأسبق، ومعالي أحمد باز سليم، وزير الاقتصاد الأسبق، والدكتور نور الدين باشا، أستاذ اللغة العربية، الأمين العام لمؤسّسة محمّد السادس للعلماء الأفارقة، فرع جزر القمر
وفي عام 1977م، فاز الشيخ أبو بكر في امتحان معلّمي الكتاتيب القرآنية في عهد الرئيس علي صالح (1975-1978م) فبعث إلى بلدته إيروهي معلما للقرآن الكريم، الذي كان قد بنى مدارس عربية قرآنية في جميع البلدات والمدن بهدف تعريب الشعب شيبا وشبابا، واختير لها أكفأ الأساتذة والمعلّمين، ولكن المشروع توقّف فور الإطاحة به على يد المرتزقة الأشرار، ذراع السلطة الفرنسية الطويلة في أفريقيا، بوب دينار عام 1978م، وقد مكث في هذا العمل مدة ستّة أشهر، فلم يلبث طويلا حتى عيّن مدرسا للغة العربية في المعهد الريفي كوامباني-اتسكودي، وكان من تلاميذه فيها معالي جاي أحمد شانفي، وزير العدل والشئون الإسلامية سابقا، والدكتور عبد الشكور، طبيب النساء والتوليد، المعارض السياسيّ المعروف
في عام 1978م، أسّس مدرسة النجاح الإسلامية، في بلدته إيروهي، من سعف النرجيل وألواح من الصاج، كان من تلاميذه فيها الدكتور عبد الله موسى، رئيس قسم التعليم المستمرّ بكليّة الإمام الشافعي، والسيد قدافي محمد عليّ، رجل أعمال بارز، والأستاذ سيد صفين إمام وخطيب، وقد أدّت هذه المدرسة دورا عظيما في نشر التعليم العربيّ الإسلاميّ وفي رفع مكانة هذه البلدة وشهرتها، حينما أضحت قبلة لطلاب العلم ومحبّي العربية، فقد استقبلتهم مدينة إيروهي برحابة الصدر، وكرم النفس وبسخاء اليد. مارس التجارة حينا، فأفاد واستفاد منها، وعمل إماما وخطيبا بجامع بلدته إيروهي كما عيّن نائبا للمأذون الشرعي (نائب القاضي الشرعي المحلي) ثمّ قاضيا شرعيا لمنطقة وشيلي عام 2009م
كان أول من نظّم احتفالات دينية حاشدة بمناسبة المولد النبويّ الشريف، ويحضرها الجمّ الغفير من الناس، ومنها انتشرت في كثير من المدارس والمواقع
الرحلات والزيارات الخارجية
تزوّج عام 1980م، ورزق منها بست بنات وولد، هو السيد محمد صوّام أبو بكر محمد طاهر، وكان يكنّى به، وقد بدت عليه بوادر النجابة وسمو الروح، حفظه الله ورعاه بحسن رعايته
في عام 1985م، سافر إلى مصر للمشاركة في دورة علمية لإعداد الأئمة والخطباء، كما سافر إلى تنزانيا ومدغشقر لأغراض الزيارة والعلاج والتجارة، وإلى إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة بدعوة كريمة من السيد سعيد عبيد الجروان، مدير غرفة التجارة بالشارقة، وأثناء زيارته لها أجرى محادثات مع محمد بن سلطان بن هويدن، وطلب منه التفضل ببناء مدرسة في قريته إيروهي، وصل إلى جزر القمر شهر يوليو 1994م، وتبرّع لبناء المدرسة، وسمّاها المدرسة المحمدية الإسلامية، وهي اليوم مدرسة أهلية عصرية، من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، يفد إليها التلاميذ من جميع مدن وقرى منطقة وشيلي
أدى الشيخ فريضة الحج عام 1990م، غير أنّه أدى مناسك العمرة عدّة مرات -بفضل الله وتوفيقه- بحرّ ماله. في عام 1993م، تبرّعت دار الزكاة بدولة الكويت الشقيقة لبناء مدرسة النجاح الإسلامية في مقرّها الجديد، كما تلقّت المدرسة في العام نفسه مشروعا خيريا من دولة الكويت -دولة الخيرات والمبرّات- لكفالة الأيتام والمعسرين، مما كان له عظيم الأثر في توسيع نطاق الإقبال على المدرسة، وانتشار الخيرات والسمعة الطيبة بين أهل المدينة
تقوم نساء البلدة بين فترة وأخرى بجمع التبرعات والهبات بالتعاون مع المغتربين من أهلها لدعم مدرسة النجاح الإسلامية، حيث رفعت الحكومات القمرية من أوّل يوم يدها عن المؤسسات الإسلامية (المساجد والمدارس)، بحجّة "علمانيّة الدولة" سوى فترة الرئيس عليّ صالح (1975-1978م)
جهوده في خدمة المجتمع
في عام 2005، تقلّد الشيخ أبو بكر منصب عمدة المدينة، المسئول الأول فيها، وكان من أبرز إنجازاته
أولا: قرار بربط رؤوس الأنعام في مرابضها، وعدم تركها سائبة بين المزارع والديار، لأنها تفسد المحاصيل، وفرض غرامات غليظة على المخالفين
ثانيا: قرار بضرورة فرض الّلباس المحتشم للنساء وحظر التبرج والسفور، باعتباره فريضة شرعية ومظهرا حضاريا
ثالثا: تحرّي العدل في جميع التعاملات اليومية بين السكان
رابعا: المطالبة بتسديد الديون المستحقة والمنهوبة من الأموال العامة في صندوق المدينة
خامسا: الإشراف على مشروع بناء الجامع الكبير، وكان افتتاحه في 29 يونيو 2007م
وبعد افتتاح الجامع شرع الشيخ يعقد حلقات علميّة فيه، في مجال فقه العبادات وعلم التوحيد بين المغرب العشاء، كما بدأ يذيع دروسا دينية من محطة إذاعة محلية واسعة الانتشار والاستماع في منطقتي وشيلي ودمان
وهكذا، نذر الشيخ حياته منذ ريعان شبابه لتعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية وقواعد اللغة العربية، كما كان يتجوّل صحبة رفاقه وتلاميذه لإلقاء المحاضرات الدينية في المناسبات المختلفة في مختلف المدن والقرى، لقد شكّلت جهوده التعليمية والتربوية حلقة مشهودة في السلسلة الذّهبيّة، التي حافظت على تدّفق الماء عذبا نقيّا في نهر الإسلام، قبيل مرحلة الاستقلال وبعده، فقد تولىّ تلاميذه رفع شعار الإسلام وإقامة شعائره حيثما كانوا، تولّى كثير منهم القيادة الدّينيّة في مواقعهم: أئمة وخطباء وقضاة شرعيين، ومعلّمين للّغة العربية في منطقة وشيلي وما جاورها، بل كانت له جهود بارزة في الإصلاح بين المتخاصمين، والتوفيق بين الأزواج، ونزع فتيل التوترات بين الناس وإحلال الوئام والسلم الأهلي بين السّكان، وبذلك كان الشيخ دعامة من دعائم الأمن والسّلم في المجتمع، حاله كحال رفاقه من القيادات الدينية في المجتمعات الإسلامية
حياته الشخصية ووفاته
نقل عن بعض من ابتلوا بشرب المسكرات أنه قال: "كان الشيخ رجلا فاضلا، ينهانا عن شرب المحرّمات، وتعاطى الخمور، رحمة وشفقة بنا، والآن لن نجد من يعظنا وينصحنا، سنموت من الإسراف في الشرب والسكر"
كان يتحدث العربية والفرنسية والسواحلية، ومع ذلك، كان متواضعا وقورا مهيبا، عفيف اليد واللسان، قنوعا سعيدا بما آتاه الله من فضله، حسن السمت، لا يضحك إلا مبتسما، يقابل من لقيه بالسلام وبطلاقة والوجه والبشارة، متحليا بأخلاق العلماء والفقهاء، وكان ممن تذكرك بالله رؤيته، حلية المجالس و بهجة المحاضر
قال عنه سماحة قاضي القضاة سيد محمد عثمان: كان مثالا يحتذى به في الالتزام والتجرّد والإخلاص في تربية الناشئة على قيم الدّين وأخلاقه، إنّ موته يشكّل فقدا كبيرا للدعوة الإسلامية في بلادنا"
وقال عنه الوجيه الشيخ إبراهيم شيخ، بعد الصلاة عليه: "لقد هوى نجم العلم الذي أضاء بنوره ربوع الوطن، لقد صارت الناشئة أيتاما بعد رحيله، قد يظهر في سمائنا أنجم زهر، ولكن ما من نجم يسدّ مسّده أو يضيئ كضيائه"
وقال عنه الأستاذ عبده شجاع أحد تلامذته: "كان يحضر إلى المسجد قبل عشرين دقيقة من الأذان في جميع الصلوات فيقرأ القرآن، كما كان يلازم المسجد بين المغرب والعشاء قارئا للقرآن في السنوات الأخيرة من حياته"
نقل من حضر وفاته أنّه التفت إليهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قائلا: هل حان وقت صلاة الظهر؟ فقيل له: لا، لم يحن بعد، كان ذلك آخر كلامه في الدنيا الفانية، وسلّم الروح لبارئها وهو يتمتم بتلاوة القرآن وذكر الله تعالى، عسى أن يكون ذلك من علامات حسن الخاتمة، نسأل الله لنا ولكم حسنها
توفي قبيل ظهر الأربعاء 20 من شوال 1446هـ الموافق 19 فبراير 2025م، وحضر جنازته عصر ذلك اليوم الجمّ الغفير من العلماء والدعاة وأهل الذكر، وقد أمّ الصّلاة عليه سماحة قاضي القضاة سيد محمد عثمان
بقلم الدكتور نور الدين باشا
كلية الإمام الشافعي-جامعة جزر القمر