خلال هذا الشهر الفضيل، نحيي الذكرى السنوية الخامسة لوفاة رجلٍ كان مثالاً للتقوى والاعتدال، وقدوةً في العلم والعمل، وصاحب بيان وفصاحة لا مثيل لهما. لقد ترك السيد طاهر بصمات لا تُنسى في قلوب من عرفوه عن قرب أو من بعيد
في هذه المناسبة، نتوقف لاستعراض محطات من سيرته العطرة وآثاره الخالدة التي لا تزال حية في الأماكن التي عاش فيها وعمل. شغل السيد طاهر منصب مفتي الجمهورية في جزر القمر، وكان قامة علمية بارزة، خدم دينه ووطنه بإخلاص وتفانٍ. تميز بشخصية علمية متفردة، عُرفت بالوسطية والاعتدال
نشأ في بيئة تقدّر العلم والتعلم، وتلقى تعليمه الشرعي في أكاديمية زنجبار الإسلامية، ثم أكمل دراسته في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الشريف. كما واظب على حضور الدروس المسائية في العشيرة المحمدية، التي عُرفت بدورها في نشر التصوف المعتدل. هذه المراحل كانت نقاط تحول هامة في حياته، حيث صقلت فكره الديني وجعلته أحد أبرز العلماء في مجالات الفقه والتفسير
كان السيد طاهر -رحمه الله- متضلعًا في المذهب الشافعي، مدافعًا عن الوسطية التي يتميز بها هذا المذهب. لم يقتصر عمله على نشر الفكر الشافعي، بل توسع ليشمل الفقه المقارن وأصول المذاهب الفقهية، مع تركيز خاص على التصوف السني الذي يعزز التزكية الروحية والأخلاق الحميدة
لعب دورًا محوريًا في تعزيز قيم التسامح والحوار بين الأديان والمذاهب في جزر القمر. كان يدعو دائمًا إلى وحدة المسلمين بعيدًا عن الانقسامات المذهبية، مؤمنًا بأن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتماسكها. كما كانت خطاباته تركز على أهمية الحفاظ على أمن واستقرار البلاد وتعزيز الوحدة الوطنية
كرس السيد طاهر حياته لنشر الفهم الصحيح للإسلام، خاصة من خلال تفسيره للقرآن الكريم خلال شهر رمضان على مدار نصف قرن. دعا إلى نبذ الغلو والتطرف، مؤكدًا أن الإسلام هو دين السلام والتسامح. كانت تفسيراته تساهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتقديم حلول عصرية للتحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية
ساهم في تأسيس رابطة خريجي الأزهر في جزر القمر، مما أسهم في تعزيز التواصل العلمي بين خريجي الأزهر في العالم. كما تتلمذ على يديه العديد من طلبة العلم الذين أصبحوا بدورهم منارات لنشر المعرفة. كان عضوًا فاعلًا في مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وشارك في العديد من المناقشات الفقهية لإيجاد حلول معاصرة لمشاكل الأمة. كما كان له دور بارز في مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، حيث ساهم في العديد من البحوث المتعلقة بالفقه الإسلامي
رغم مكانته العلمية، كان السيد طاهر إنسانًا متواضعًا، سهلاً في تعامله مع الناس، يسعى لنشر السلام في مجتمعه، ويوازن بين الدين والحياة اليومية. كان نموذجًا يُحتذى به في العيش وفقًا للقيم الإسلامية الأصيلة
على المستوى الشخصي، تشرفت بمرافقته في عدة مناسبات علمية، من بينها الندوة العالمية التي نظمها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر عام 1996، حيث أظهر حضورًا مميزًا ومساهمة قيمة. كما أتيحت لي فرصة الاقتراب منه أكثر أثناء تواجده في القاهرة للعلاج عام 2009، حيث تعرفت عن كثب على شخصيته العلمية والإنسانية
لقد تركت وفاته فراغًا كبيرًا، لكن إرثه العلمي والدعوي سيظل حيًا في قلوب من تعلموا منه وواصلوا مسيرته. في هذه الذكرى، نتذكره بكل حب واحترام، ونسأل الله أن يرحمه ويجزيه عن علمه وخدماته خير الجزاء
سيد شيخ سيد حسن جمل الليل
موظف دولي