وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره»، زاد مسلم «وجَدَّ وشد مئزره». وقولها «وشد مئزره» كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد، ومعناه التشمير في العبادات. وقيل هو كناية عن اعتزال النساء وترك الجماع. وقولهم «أحيا الليل» أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. لذلك، يجب على كل مسلم أن يجتهد في العبادات ويقوم بالأعمال الآتية
أولا: قيام الليل؛ ذلك لأن لقيام ليالي رمضان ومنها صلاة التراويح ولاسيما في العشر الأواخر من رمضان فضيلة عظمى، لاسيما إن صادف القيام ليلة القدر التي هي عند الله تعالى خير من ألف شهر، لأن هذا القيام سبب لمغفرة الذنوب، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». ويستحب لمن قام هذه الليالي في المسجد أن يصبر حتى ينهي الإمام، ولا يتعجل في إنهاء صلاته قبل الإمام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ
ثانيا: الدعاء والذكر؛ لأن أبواب السماء تفتح في شهر رمضان الكريم، وفتح أبوابها دلالة على كثرة الخير النازل، وسرعة الاستجابة للصاعد في السماء من الأعمال الصالحة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عُتَقَاءَ في كل يومٍ وليلة، لكل عبدٍ منهم دعوةٌ مُسْتجابةٌ». ويستحب الإكثار من الدعاء في ليلة القدر، وقد علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنه أن تقول في ليلة القدر: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، ويجوز الدعاء بما يشاء المسلم من خيري الدنيا والآخرة له أو لغيره
ثالثا: قراءة القرآن وتدبره؛ فحريٌّ بالمسلم أن يحرص على الاستزادة من تلاوة القرآن الكريم في أواخر شهر رمضان، وأن يخصّص لنفسه وردا يلتزم به طيلة الشهر الكريم، لأن تلاوة القرآن ومدارسته تنمّي في نفس المسلم فعل الخير، وتنشّطه، وتسهّل عليه القيام بذلك، كالجود والصدقة وسائر أعمال البر. ولاسيما حفّاظ القرآن الكريم، فهم أولى بالقيام بهذه الميزة الكريمة، فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ
رابعا: فعلُ الخير؛ إن الدخول في العشر الأواخر فرصة من أكبر الفرص لزيادة الأجور، ومضاعفة الحسنات ودخول الجنة، وينبغي على المسلم الواعي أن يستغل هذه الفرصة، فيكثر من أفعال الخير كلها، فقد كان من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان أن يكثر ويستزيد من العبادات والخير، فكان يكثر في العشر الأواخر من رمضان من قراءة القرآن، والصلاة، والزكاة، وأعمال البر كلها
خامسا: قيام الليل؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخصّ رمضان بما لا يخص شهراً غيره من الشهور بالعبادة وأعمال الخير، ويستحبّ للرجل أن يوسّع على عياله وأقاربه في رمضان بلا تكلّف، وأن يكرم جيرانه وبشكل خاص في العشر الأواخر منه. وحبذا الجمع بين فضيلتي الصدقة وصلة الرحم، وذلك بأن تكون الصدقة على ذوي الأرحام المحتاجين، وبهذا يكون الأجر بأجرَين، أجر الصدقة، وأجر صلة الرحم
وأخيرا: إطعام الطعام؛ هناك ارتباط وثيق بين رمضان والصيام وبين إطعام الطعام، وذلك أن رمضان شهر الصيام، وترك الطعام، ثم يكون إطعام الطعام في موعد الإفطار من أكثر القربات، فمن فطّر صائما فاز بمثل أجره، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا
محمد حسين دحلان
باحث في الشريعة الإسلامية
وخطيب في جوامع موروني