إن الأوامر الشرعية، فرضًا كانت أم نفلًا، لم تُشرّع عبثًا، وإنما جاءت لخدمة الإنسانية وإرساء دعائم حياة أسمى، تليق بالإنسان الذي حُمِّل أمانة الاستخلاف في الأرض. فهي تعمل على تكوين شخصية مسؤولة، قادرة على حمل الرسالة الخالدة، ومواصلة مسيرة الحياة بأعبائها حتى نهايتها، في مشهد يتماهى مع غاية الوجود، ويمنح الرحلة طابعًا من الجمال والسمو، بما يوفره من فرص وطاقات تمكّن الإنسان من أداء دوره على أكمل وجه
وحين تصحو الحواس، مستجيبةً لنداء الكمال الإنساني، يدرك المرء أن الصيام، وهو من أعظم الأوامر الإلهية، لم يُفرض لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل شُرِّع ليعيد تشكيل الإنسان، فيحرّره من جاهليةٍ متلبسةٍ بهمجيّةٍ تُطفئ وهج الأخلاق، ويجعله قادرًا على مواجهة نفسه الأمّارة بالسوء، متزنًا في سلوكه، متكاملًا في أخلاقه، متقنًا لرسالته في الحياة
فالصائم الذي وعى حقيقة صيامه يدرك أنه أُعدّ لحمل رسالة الحياة، وأنه ليس مجرد فرد عابر، بل هو عمود راسخ في بنيان المجتمع، وعامل فاعل في نجاح مشروع الإنسانية، فلا يكون عائقًا أمام تقدّمها، بل معينًا لإخوته، ساعيًا إلى تذليل الصعاب، متحملًا مسؤوليته تجاه وطنه وأمّته
مع الصيام، يتطهّر القلب من الخيانة، ويتحلّى صاحبه بالأمانة، غيورًا على دينه، مدافعًا عنه، متفاعلًا مع أحوال مجتمعه، متمثلًا العدل، مستشعرًا الأخوّة، رافضًا للظلم، منتفضًا حين يُهدر حق من الحقوق. فالصيام مدرسة تعلم فيها الإنسان معنى المساواة، وتذوّق فيها حلاوة المحبة، وأدرك مسؤوليته الكبرى في إقامة حياة أكرم وأفضل
وهكذا، يبقى رمضان محضنًا لصناعة الرجال، حيث يولد فيهم الإحساس بالمسؤولية، ويصقل في أرواحهم قيم العدل والرحمة، ليكونوا بحقّ أهلًا لحمل الرسالة، وإعمار الأرض بما يليق بكرامة الإنسان
بقلم الموجه التربوي
عبد الله عبد الله عبد الوهاب